المؤسس :
جاسم المطير

الإشراف :
حسن بلاسم
سمير المبارك
عدنان المبارك
  ط¸â€ڑط·آµط·آµ ط·آ¹ط·آ±ط·آ§ط¸â€ڑط¸ظ¹ط·آ© - ط·آ£ط·آ³ط·آ¹ط·آ¯ ط·آ§ط¸â€‍ط¸â€،ط¸â€‍ط·آ§ط¸â€‍ط¸ظ¹
 

عــــــــرق

  


يستقبل جوفي بفتور ما تبقى من كأسي الأخيرة، أشعر بالوهن يجتاح أناملي فأطرافي حتى يخترق تجاويف قلبي في ثوانِ كانت كافية لتدفع أجزائي الى استرخاء بليد، تتبلد أجفاني وتفتر شفتاي عن ابتسامة مؤسية وتبدو جبهتي وما تبقى من وجهي بسيماء كهل جرد من كل شيء سوى انتظاره للتقطيبة الأخيرة، شيء واحد فقط انتعش وأزاح عنه كتلة من الجليد، ذاك هو دماغي، فقد نشط في استحضار الصور والأحاديث العتيقة الموغلة في أعماقه..
صرخ النادل :
ـ قنينة عرق ….
أفاق أحدهم وكان قد غرق في إغفاءة طويلة.. رشق النادل بنظرة احتقار وعاد الى إغفاءته.. أعدتُ وجهي من استغراقه في رقبة النادل الحمراء والمغطاة جزئياً بياقة بيضاء بادية القذارة.. نظرت الى القنينة الفارغة فملأت كلمة (عرق) الملصقة بها المساحة المتاحة أمام عيني للرؤية.. عرق يحتسى فيمنح المرء فوضى وقنوط وحلم أجوف كصافرة قطار مغادر.. عرق ينز من جسد.. بل من جسدين التحما لحظات لتحيطهما شرنقة هلامية من مشاعر مضطربة.. مزيج من وله وحزن وفرح طفولي.. وعرق يتجمع نقيطات ترسم خطوطاً لامعة في أخاديد الجسد المرهق..

كان جدي عبد شويخ في أحد الأيام البعيدة كنجيمة ذائبة في عتمة كانونية يترنح جذلاً ومن بين شفتيه تطير كلمات حلوة منغمة مفعمة بالحب والمرح والصدق.. كنت متكأ على عمود خيمتنا وكان يدور بين الخيام يحاكي ثغاء النعاج ويحتضن برودة الندى الليلي الملتصق على صدره الأشعث كغابة داكنة..
ـ صنوبرتي.. أيتها المشتهاة..
كان جدي يغني، وكنت أوتشف كلماته كقهوة مرة..
ـ الخطر داهم ياصاحبي.. انه يلتمع كالبرق.. أوَ ليس سريعاً الموت؟.. كالبرق.. قرقعة تهدر ثم صمت مطبق.. حتى النعاج تخشى الثغاء لحظتئذٍ.. فلترنو للحياة ياصغيري..
هكذا قال جدي.. أذكر اني التصقت بعمود الخيمة..
ـ كيف ؟
سؤال طفولي غادر ضفتي دون أن تغربله مساحة الحصى المبثوثة في دماغي.. أذكر أيضا انه ضحك كثيراً …
ـ الحياة ياصغيري ربابة، يراها الجميع ولا يحسن العزف عليها الاّ القلة..

حين التحم جسدانا للمرة الأولى.. أدهشتها غزارة العرق الذي نضحه جسدينا.. قلت لها:
ـ الحياة يارائعتي ربابة، يراها الجميع.. ولا يحسن العزف عليها الاّ القلة..
قالت:
ـ حياتي ربابة مهشمة , أحسن العزف عليها، لكنها مهشمة ….
أذكر جيداً اني بكيت آنئذٍ. فلم يرني جدي عبد شويخ احتمالاً كهذا.. واصَلَتْ :
ـ في السابعة عشر، يرى المرء بعينين مغمضتين أو لايرى بعينين مفتوحتين، تناقض لكنه متجانس، هكذا كنتُ أرى مالاأراه.. ولا أرى ماأراه.. ذات يوم امتزجتُ مع غصن صنوبر وأن لابد لالتحام كهذا ان يحدث خدشا، ربما في الذاكرة ان لم يكن في مكان ما.. هجمت عليّ خزائن ذاكرتي هجمة واحدة حين هممت ان التحم بجسد بشري.. كنتُ أتخيل العرق الذي سينز من جسدينا.. لكنه صفعني بكلمة وساقين مغادرتين..
ـ لستِ الفتاة التي حلمت.. أنت اكبر من فتاة.. امرأة …
يالهذه الغلالة الرقيقة التي تفصل بين معنيين.. قدرين.. كانت عينان منكسرتان كريحانة ذابلة.. همَسَت..
ـ علمني ما لاأعلم..
همستُ …
ـ ما أعلمه هو ما علمنيه عبد شويخ.. أذكر انه قال ذات يوم.. ( في الليل فقط، حين نكون نياما تندى السماء، الأرض، العشب، النعاج، سطوح الخيام.. وحين نستيقظ نشهد انسياب الندى و تساميه، فلا نرى الاّ سماءً حمقاء وأرضاً قاحلة وعشبا متيبسا ونعاجا كسلى.. )
سألته ليلتئذٍ …
ـ علينا أن ننبذ النوم اذا ؟
ضحك بجنون وغادرني.. أصداء ضحكاته مازالت تحاصرني..
ـ لم أفهم..
قالت :
ـ أنا كذلك لم أفهم..
قلتُ، الاّ اني شعرتُ ان موجة عارمة تمور في داخلهاحين اصطدمت عيناها بعيني شعرت ان موجتها قد تكسرت على صخرة ناتئة.. كانت تولول ، يتقاطر الندى من عينيها الواسعتين كمرفئين منسيين …
ـ انك مجنونة يارائعتي.
همستُ:
ـ وأنت أكثر مني جنونا.
برطمت وقد تكسرت حشرجةٌ في حنجرتها. استغرقت في سهوم ثم انشغلت بارتشاف سيل من العرق الناضح على صدري. فكرتُ ببلاهة:
ـ العرق، انه شيء رائع …
 
 












© 2002 - 2010 Iraq Story   - Designed and hosted by NOURAS  
2810923   Visitors since 7-9-2002